| البدايات | الخدمة والتكريس | إلى الدير | الأسقف العام | عشر سنوات مجيدة | رفيق الألم | إلى المجد |
|
عندما تأسست كنيسة مارمينا بشبرا أوائل الأربعينات بدأت بها خدمة للتربية الكنيسة للصغار والفتيان وخدمة للشابات يغلب عليها النشاط الاجتماعي الذى يتمثل فى معرض فنى سنوى لتعضيد الخدمة .. وظلت خدمة الشبان ضامرة محدودة .. ولما انضم كمال حبيب إلى خدمة هذه الكنيسة ( فرع الجمعة ) أتصل بشباب الخدام الذين كانوا .. يحلمون بخدمة نشطة للشبان .. ولكن المفاوضات مع مسئولى الخدمة فى الكنيسة كانت تتعثر على صخرة توزيع المسئوليات .. وفى تطور مفاجئ يعترف بنجاح التيار الإيجابى الذى كان يقوده كمال حبيب أنسحب مسئولو الخدمة وحولوا خدمة الشابات إلى جمعية التواضع القريبة . ولكن الفراغ سرعان ما ملأه جماعة الخدام الباقية والذين اتحدوا مع خدام فرع الجمعة فى خدمة واحدة واختاروا كمال حبيب أميناً لها سنة 1954م .. وبدأ عهد جديد فى خدمة التربية أشعله تيار جارف من حب الخدام فى الخدمة ولبعضهم البعض والتفافهم حول كمال حبيب الذى كان رغم صغر سنه قائداً موهوباً قوى الشخصية يجتذب إليه من حوله بقوة آسرة .. وكان قدوة فى العمل الدائب الذى لا يكل وعقلاً منظماً مبتكراً لألوان النشاط الروحى والتربوى الذى امتد ليشمل الأسبوع كله .. وفى سنة 1956م تحقق الحلم وأصبح لكنيسة مارمينا اجتماعاً روحياً للشباب صار فيما بعد مدرسة لتخرج خدام الشباب الذين انتشروا للخدمة فى اجتماعات الكنيسة كلها . ورغم تخصص كمال حبيب فى الدراسات التربوية وحصوله على درجة الماجستير فى أصول التربية واستفادته من خبرته التربوية فى خدمته فى الكنيسة إلا أنه كان قبل كل شئ شخصاً روحياً ومؤمناً وخادماً صادقاً صاحب رسالة ومن هنا كان مدركاً لجدوى أن يكون الروح القدس هو الفاعل والمحرك والمرشد والموجه لكل نشاطات الخدمة وإلا تحولت إلى نشاط اجتماعى لا يخلص نفساً .. وبالتالى كان اهتمامه باجتماع الخدام للصلاة كمجال للاتصال بمصدر القوة وعامل لنمو المحبة بين الخدام ووحدة فكرهم فى المسيح وممارسة للتوبة الجماعية وتقديس حياتهم من أجل مخدوميهم .. وكان اجتماع الصلاة معه – والذى كان يستمر لثلاثة ساعات كل أسبوع شيئاً بهيجاً فروحه النشطة وأفكاره الروحية العالية وكلمات صلاته الحارة الطويلة التى كثيراً ما يتهدج خلالها صوته كانت تنبئ عن نفس تقية اختارت النصيب الصالح وسلمت حياتها كلها لمجد المسيح .. ورغم الأعمال الكثيرة ذات النشاط الخارجى التى كان يتقنها إلا إنها لم تكن تحتل من اهتماماته الموقع الأول بل كانت الأولوية للعكوف على الصلاة ومحبة الاختلاء والتأمل ، وكان امتلاؤه الداخلى الذى ناله فى مخدع الصلاة هو سر نجاحه كمتكلم يجذب إليه القلوب فتستجيب لدعوة التوبة . وبعد أن نجح كمال حبيب فى تأسيس خدمة الشباب بدأ يهتم بخدمة الشابات باعتبـار الأم غارسة لبذرة الإيمان .. ولم تنتهى الخمسينات حتى بدأت خدمة الشابات فى النمو وازدهرت فيما تلى ذلك من السنين ثم صار طبيعيا أن تضم اجتماعات الشباب كلا الجنسين معاً فى جو روحى نقى وصار هناك العشرات من الخادمات . وأخذت اهتمامات كمال حبيب تشمل سائر قطاعات الكنيسة .. فصار هناك اجتماع عام للعائلات وآخر للعمال والحرفيين وثالث لإعداد الخدام .. كما تنوعت النشاطات من نهضات روحية فى أيام الصوم وغيرها إلى احتفالات بأعياد القديسين يخدم فيها أبرز خدام الكنيسة العامة إلى احتفالات بعيد الأسرة صارت فيما بعد تقليداً سنوياً بهيجاً .. إلى يوم روحى كامل للخدام والخادمات أو سهرة روحية طوال الليل تنتهى بالقداس فى الصباح إلى الدراسات الصيفية للخدام والخادمات التى كانت تمتد لتشمل خدام معظم كنائس شبرا إلى معسكرات الصيف على شاطئ البحر والرحلات والهوايات وفصول التقوية الدراسية والنادى الصيفى بنشاطاته الرياضية والروحية ومكتبة البيع والنشرات الروحية . كما اهتم أيضاً بخدمة الشموسية باعتبار خدمة التربية الكنسية امتداداً لها فكون خورس الألحان وصارت خدمة المذبح للمتقدمين روحياً المقتنين للخشوع والمستعدين للتناول وليس لمن يتميزون فقط بالأصوات الجميلة وإن خلت من الروحانية وامتلأت بالزهو . وبمضى الوقت فإن بعض هؤلاء تعلم التوبة .. وبعضهم لم يعد له مكان .. ولإحساسه بأهمية دور الرعاية والاعتراف فى حيوية التوبة واستمرارها ، كانت جهوده لرسامة آباء كهنة لخدمة الاعتراف بعد سنين طويلة من الجدب والافتقار . وهكذا تحولت كنيسة مارمينا – التى وصفها فى إحدى رسائله بأنها كانت كنيسة قطاع خاص – رغم صغر مساحتها وحداثة سنها إلى أحد مواقع الخدمة المؤثرة فى الكنيسة كلها .. ولما فرّط مشيدو الكنيسة فى فناء الكنيسة وباعوه لمن يشترى وكادت الكنيسة أن تختنق والبيوت تلاصق جدرانها .. ضغط بكل قواه للاستفادة بمساحة صغيرة بقيت من الأرض التابعة للكنيسة ونجح فى أن يبنى عليها عدد من الطوابق صارت فيما بعد متنفس الخدمة فـى هذه الكنيسة . ولكن كمال حبيب لم يحصر خدمته داخل دائرة كنيسة مارمينا لأن دائرة اهتماماته كانت أشمل وقدرته أكبر وكان إحساسه بالمسئولية العامة طاغياً .. فمنذ سنة 1959م كان عضواً باللجنة العامة لمدارس الأحد وصار سكرتيراً عاما لها من سنة 1959م وحتى سنة 1972م .. وبدأ فى تدريس التربية فى الكلية الإكليريكية منذ سنة 1958م .. كما عين رئيساً للجنة مناهج الثانوى للتربية الدينية بوزارة التربية والتعليم .. وفى سنة 1961م ساهم بأوفر نصيب فى إصدار منهج متكامل للتربية الكنسية وأضفى عليه بخبرته التربوية بعداً علمياً .. وبالإضافة إلى دروس الخدمة من المستوى الإبتدائى وحتى بداية الدراسة الجامعية واجتماعات الشباب والعمال والخدام اشتمل المنهج على الأسس والتوجيهات العامة التى بنى عليها بما فيها التوجيه الروحى والكنسى والاجتماعى والقومى والفكرى والنفسى لكل مرحلة من مراحل الخدمة .. وانشغل فى السنوات التالية فى تحضير دروس لكل سنة دراسية حسب هذا البرنامج تكون عوناً للخدام . وظل على إحساسه بمسئوليته عن مناهج التعليم فى الكنيسة العامة حتى بعد ما صار أسقفاً .. ورغم أنه كان يطلب من الكثيرين المساهمة معه فى تحضير دروس المستويات المختلفة .. إلا إننا لا نتجاوز الحقيقة إذا قلنا أن الدور الذى قام به وحده فى هذا المجال يتجاوز بكثير ما قام به كل من شاركوا فى هذا العمل مجتمعين .. ومن ناحية أخرى فقد كان يشرف على إقامة المؤتمرات الروحية والمعارض الفنية والمهرجانات الرياضية الدورية بين فروع التربية الكنسية على أرض الأنبا رويس وكانت هذه كلها فرصاً مباركة لاكتشاف القادة الجدد وتنمية قدرات الشباب واستغلال وقت الفراغ ليكون بركة للفـرد والكنيسة .. ورغم كل الجهود فقد ظل كمال حبيب طاقة جبارة متجددة للعطاء المتنوع .. قادراً على العمل أينما وجد .. مستعداً للخدمة فى كل فرع ، بعد أن كانت بعض الفروع أشبه بالجزر المنعزلة وشاعراً بحاجات الفروع فقيرة الإمكانيات فكان يرسل لها الخدام من كنيسة مارمينا شهوراً أو سنوات إلى أن تقف على أقدامها ويصير لها خدامها الدائمين . وفى أواخر سنة 1958م إلتقى كمال حبيب بالأب متى المسكين الذى كان مهتماً بقضية التربية الكنسية والتكريس . ( فعكف كمال حبيب ) من أجل أن تتمايز التربية الكنسية عن التربية المدرسية والعمل الاجتماعي للاختلاف بينهما فى الأهداف والوسائل .. ولأن التربية هى تخصصه والخدمة هى حياته فكان من الطبيعى أن يهتم كمال حبيب بهذه القضية وأن يشارك فيها بخبرته وبكل قواه . ثم كانت إحدى نقاط التحول فى حياته عندما طرقت حياته الدعوة إلى التكريس ولأن كمال حبيب كان خادماً أميناً صادقاً فلم يتهرب من هذه الدعوة بل على العكس التهب قلبه بها وأسلم حياته لعمل النعمة .. وعندما تأسس بيت التكريس لخدمة الكرازة فى حلوان كان كمال حبيب من أوائل من انضموا إليه وقد عاش كمال حبيب فى هذا البيت مع أخوته عشر سنوات ، فى شركة تتسم بالمبادئ النسكية الإنجيلية ، يقضى أغلب الوقت فى العبادة والدراسة والخلوة ثم للخدمة .. ففتح له الرب باباً للكرازة فى الإيبارشيات المختلفة حتى صار معروفاً فى أكثر البلاد .. وفى سنة 1969م استقال من وظيفته ليتفرغ تماماً لخدمة الله وصار مكرساً للخدمة فى كنيسة مارمينا بشبرا . وعاش فى عُليّة للصلاة قرب هذه الكنيسة . وبدأ فى معاونة الأنبا شنودة عندما كان أسقفا للتعليم وأستمر ملازما له عندما صار بابا وبطريركا للكرازة المرقسية . ومضت سنوات قبل أن يبدأ مرحلة هامة وجديدة فى حياته . |