البدايات الخدمة والتكريس إلى الدير الأسقف العام عشر سنوات مجيدة رفيق الألم إلى المجد

 

لعل المرء يدهش كيف أن خادماً مثل كمال حبيب غارقاً حتى أذنيه فى الخدمة العامة وأكثر حياته بين الناس وتملأ وقته الاجتماعات المختلفة وذهنه يتوقد بألوان النشاط . احتفالات ، مؤتمرات ، معسكرات ، مناسبات روحية ، خلوات .. نقول كيف لخادم من هذا النوع ذى الحياة الحافلة أن يقبل الرهبنة بكل ما تحمله من جوانب العزلة والسكون والانفصال المادى عن المجتمع ..

ولا نشك أن الكثيرين فاجأهم نبأ دخول كمال حبيب إلى الدير .. ولكن الأيام مضت وحملت معها الإجابات على الكثير من الأسئلة ، وإن كنا نعترف أن بعض الإجابات ليس وافيا ..

فمما لا ريب فيه أن بذرة الاتجاه إلى العزلة وحياة التأمل والنسك بالنسبة لكمال حبيب نمت فى بيت التكريس بحلوان وكانت البتولية هى أولى شروط الانضمام لهذه الحركة .. وكان قبول كمال حبيب لهذا الشرط يحمل فى طياته استعداداً لتكريس حياته كلها لعمل الله .. وأنه قد استبعد تماما أن يكون له زوجة أو أولاد بالجسد .

كان قبول كمال حبيب بالتكريس يحمل فى طياته أيضاً تخلياً عن الاعتماد على المال وقبولاً بالفقر الاختيارى والحياة بالإيمان المجرد . وعندما قرر الاستقالة من عمله سنة 1969 ليتفرغ تماماً لخدمة الله لم يضع فى حساباته أنه يستحق معاشاً بعد عام ، فلم يؤجل قراره هذه الفترة القصيرة ليؤمن مستقبله كما يفعل الكثيرون ، بل مضى فى طريقه لا يبالى متمسكاً بوعد الله " ليس أحد ترك بيتاً أو أخوة أو أخوات أو أباً أو أماً أو امرأة أو أولاداً أو حقولاً لأجلى ولأجل الإنجيل إلا ويأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان بيوتاً وأخوة وأخوات وأمهات وأولاداً وحقولاً مع اضطهادات وفى الدهر الآتى الحياة الأبدية " (مر 10: 29 30) .

ومن ناحية أخرى كانت الدراسة فى إحدى المؤسسات اللاهوتية العالمية واحدة من أحلام كمال حبيب .. وكان قد حصل منذ عام 1957م على منحة للدراسة فى جامعة برنستون بمساندة المتنيح الأنبا صموئيل ، ولكن تأجلت الاستفادة منها سنيناً حصل خلالها على بكالوريوس الكلية الإكليريكية سنة 1964م . ولما فاتح قداسة البابا شنودة سنة 1973م فى أمر سفره للدراسة وجد أن قداسته يريد له لا أن يكتفى بالدراسة وإنما ليقوم أيضا بخدمة الكنيسة فى المهجر فيحقق أكثر من هدف .

وبالطبع فأنه قد قبل من ناحية لأن الدعوة أتت من قداسة البابا شنودة الذى كان كمال حبيب يكن له كل الحب والتوقير ، ومن ناحية لأن الدعوة لاقت صدى فى نفسه .

ولم تمض أيام حتى كان كمال حبيب قد سافر إلى دير الأنبا بيشوى وسيم راهباً فى 22 / 6 / 1973م باسم " أنطونيوس " وهو اسم الرهبنة لقداسة البابا شنودة والذى من اعتزازه به فإنه كثيراً ما يطلقه على أحبائه .

وبدأ الراهب أنطونيوس حياة من نوع جديد .. ورغم مصاعبها فإنه طّوع نفسه لها .. وبينما كان فى العالم يضيق بالاستيقاظ المبكر صار فى الدير أول الناهضين وبينما كان فى العالم لظروفه يتفادى البقول صارت هى طعامه الذى تستقبله معدته بكل وداعة .. وبعد أسابيع سيم الراهب أنطونيوس قساً ..

ويوماً وراء يوم بدأت غريزته للخدمة تستيقظ فبدأ فى الاهتمام ببيت الخلوة فى الدير ونظافته وإعداده لائقاً لخدمة الشباب .. وبدأت أفواج الشباب تأتى .. وبدأ فى تكليف معاونيه من الشباب بأداء عشرات الأعمال والخدمات بصورة متلاحقة ، ومتابعة لا تعرف الكلل . وتحول الموقع الذى يعيش فيه إلى مركز جذب لخدمة الشباب كما هو دائما ..

 

وعلى غير ما كان متوقعاً فقد طال بقاء القس أنطونيوس الأنبا بيشوى فى الدير وفى العام التالى عينه قداسة البابا وكيلاً لبطريركية الإسكندرية لعدة شهور نظم خلالها مؤتمرات للشباب والخدام وكان يحضرها الآلاف من أنحاء الجمهورية .

وفى صيف عام 1974م حان الوقت لتحقيق أمله فى الدراسات العليا ، فسافر القس أنطونيوس إلى الولايات المتحدة ( ولاية نيوجيرسى ) حيث خدم كنيسة جيرسى سيتى والتحق بجامعة برنستون .. وفى عام 1957م حصل على درجة الماجستير فى التربية القبطية لحياة الشركة ( الكينونيا ) وكتب بحثين عن التربية عن إكليمندس ومنهج الوعظ والتبشير عن يوحنا فم الذهب .

وكان القس أنطونيوس سعيداً بخدمته ودراسته ، وكان يشعر أنه موضع التقدير فى المجالين ، كما أن الخدمة الرعوية جعلته يقترب من الناس أكثر ويحس بمسئوليته تجاههم .. أو كما قال فى حوار سجل معه ( لقد كنت قاسياً جداً شديد الطبع لا أرحم أما بعد الكهنوت دخلت إلى مشاكل الناس واستمعت إلى أنينهم ورأيت دموعهم ومآسيهم فى الاعترافات ، ممـا أذاب قلبى حباً للنفس البشرية وأصبحت حنوناً عليها إلى أبعد حد ) ..

وبينما كان القس أنطونيوس يحسب أن إقامته ستطول فى الولايات المتحدة كان لله تدبيراً آخر .. فبعد شهور ثمانية استدعاه قداسة البابا لمهمة جديدة فى القاهرة .