| البدايات | الخدمة والتكريس | إلى الدير | الأسقف العام | عشر سنوات مجيدة | رفيق الألم | إلى المجد |
|
يعترف نيافة الأنبا بيمن فى حديث سجل له قبل عامين من نياحته أن اختياره أسقفاً لملوى كانت صدمة له للوهلة الأولى " كانت ملوى شيئاً مجهولاً بالنسبة له " إنها الكورة البعيدة عن القاهرة مركز النشاط والإشعاع لكل الكرازة وهى إيبارشية بلا جامعة أى بلا شباب جامعى وهو يراهم محور الآمال والخدمة ، وهى إيبارشية بلا مستشفى متقدم يتيح رعاية صحته التى بدأت تثير القلق .. يقول " ولكن استجبت للمشيئة الإلهية " .. ودون مبالغات يمكن القول أن إيبارشية ملوى التى عاشت فى الظل السنين الطوال بعثت من جديد فى 19 / 6 / 1976م وحق لها أن تزهو فتتفاخر بأن يكون أول أسقف لها هو الأنبا بيمن الذى تعرفه الكرازة من أقصاها إلى أقصاها " خادماً " ، " معلما " ، " كاتباً " ، " مربياً " . ولم يكن الطريق أمامه سهلاً .. ولا الظروف مهيأة .. كانت الطوائف تتقاسم شعب ملوى وكان البعض يتفاخر أنهم ليسوا أرثوذكسيين كما كانت الشللية والفتن والذاتية تفتك بالكنيسة .. وبدأ يتحرك خطوة .. خطوة ثم تلاحقت الخطوات . ولكنه ظل مع هذا يطمع دائما إلى أكثر .. وفكره دائما يسبق الممكن والمتاح حتى إنه كتب مرة يقول : " العمل ينمو وإن كنت تواقاً بنعمته إلى قفزات وطفرات ودفعات سريعة وقوية ولكن الله طريقته النمو الهادئ البطئ وأنا خاضع لإرادته لأن العمل عمله هو وحده وما نحن إلا آلات فى يده " . فبدأ فى تشكيل مجالس للكنائس وتنظيم النواحى المالية رغم ضيق الإمكانيات فى البداية وأسس سبعة كنائس جديدة ورسم خمسة وعشرون كاهناً ، بعضهم كانوا خداماً فى القاهرة ولكن تلمذتهم ومحبتهم للأنبا بيمن جذبتهم للخدمة فى قرى إيبارشية ملوى ومدنها .. ولأنه إختبر حياة التكريس منذ شبابه ويدرك أهميتها لنمو الخدمة فى الكنيسة فقد أسس بيت المكرسات فى منتصف عام سنة 1979م الذى ضم فيما بعد 12 مكرسة كلهن جامعيات وأقامهن شماسات فى 23 / 11 / 1984م .. كما رسم ثلاثة شمامسة مكرسين للعمل فى خدمة الشباب فى ملوى وفى الريف .. وأوفد البعض للدراسة فى الخارج . كعادته فى الاهتمام بالأركان الضعيفة ومحاولة إنهاضها كان للقرى نصيب كبير من اهتمامه .. وخصص لها اثنين من المكرسين وخمسة من المكرسات وجميعهم جامعيون . وخصص مكتباً فى المطرانية لخدمة الدياكونية الريفية ورتب أن يكون فى كل كنيسة من كنائس القرى استراحة هى مركز الخدمة وإقامة الخدام .. بالإضافة إلى المكتبة الاستعارية ، أجهزة العرض . كما شجع قيام المعسكرات والمؤتمرات الخاصة بخدمة القرى. وعلى المستوى الاجتماعى فقد كان يدرك الظروف الصعبة التى تعانيها القرية المصرية وما تفرزه من مشكلات تنعكس بالتالى على حياة الناس الروحية .. فأسَّس مراكز التنمية الريفية التى تضم وحدات لتعليم الفتيات ، وفصول لمحو الأمية ، بالإضافة إلى مراكز الرعاية الشاملة للأسرة ( وعددها أربعة ) يحتوى كل منها على عيادة طبية ، برنامج للتربية الأسرية ، برنامج تنظيم الأسرة ، ووضع حدوداً صارمة لاتمام سر الزيجة فأعاد له هيبته وساهم فى تلافى الكثير من المشاكل الأسرية . وفى محاولة لتقييم مشروعات التنمية اختار قرية دير الملاك كنموذج يمكن تطبيقه تباعاً فى القرى الأخرى وقدم لها الخدمات التالية إسهاماً من الكنيسة فى تنمية المجتمع : مسح طبى شامل ، عيادة طبية ، مركز تنمية للفتيات ، فصول محو أمية ، رعاية مسنين ، دار حضانة ، جمعية استهلاكية ، مياه نقية ، دورات مياه بالمنازل ، دهان المنازل بالجير بالإضافة إلى سكن للكاهن وآخر لخدام المشروع وقاعة للمناسبات لكل أهل القرية .. وقد جمع الأنبا بيمن خبراته فى خدمة القرية فى كتابه الثمين " الخدمة فى القرية " والذى صار مرجعاً هاماً لكل من يخدم القرية المصرية .. مستفيداً من خبراته التربوية منذ أن كان مدرساً فى النقراشى النموذجية أنشأ مركز الوسائل التعليمية الذى بدأ فى 1976م واتسع فى السنين التالية ليضم عدة أقسام : الوسائل السمعية والبصرية (أفلام الفيديو والسينما والشرائح الملونة) ـ المكتبة الصوتية (قداسات ـ عظات ـ تسبحة ـ ألحان ـ ترانيم ـ والإنجيل المسموع) .. كما أنشأ مكتبة إستعارية تحفل بآلاف الكتب والمراجع المحلية والأجنبية للكبار والأطفال .. ثم صار للمطرانية مطبعتها الخاصة التى ساهمت فى نشر كل مؤلفاته فضلاً عن المطبوعات الخاصة بالأيام الروحية والمؤتمرات والمعسكرات . ولإدراكه لحاجات ملوى المستقبلية فقد أنشأ مبنى من 3 طوابق يضم مكاتب الخدمة الاجتماعية والدياكونية والتنمية الريفية وخدمة الشباب واجتماع الخدام ومساكن لإقامة المكرسين والشمامسة المتفرغين .. فضلاً عن القاعات الضخمة التى تستخدم فى المناسبات والاجتماعات وفى مقدمتها اجتماع الأحد الذى يضم الآلاف . والذين استطاع أن يقترب منهم ويؤثر فيهم ويربطهم ببيت الله وكلمته بعد سنين طويلة من الغربة . وبينما أقبل الأنبا بيمن على ملوى وهو محبط الآمال ، فإذا الأيام تمضى وقد فجّر التحدى مواهبه فى التدبير والابتكار وقدراته على التغيير إلى الأفضل مهما كانت الصعاب مع إحساس كامل بمسؤليته كأسقف يرعى النفوس ويقودها للخلاص ، ومُصلح اجتماعى ينحاز لحقوق الفقراء والمسحوقين ويوفر لهم الرعاية وتمتعهم بإنسانيتهم باعتبار الجميع أولاد الله . وعن مشاعره تجاه مخدوميه كتب مرة يقول : " الذين فى القاهرة يعيشون فى الترف والراحة ولا يريدون العمل الشاق .. الخدمة المرهقة هى خدمة المحتاج والمسكين والجاهل والمتخلف لأن العائد هو فوق فقط وليس من تعزية ظاهرة سوى مؤازرة الروح فى الداخل" . ولأن ملوى عاشت طويلاً فى الظل وتخلفت سنيناً عن الركب فقد عوضتها النعمة بعد الانتظار الطويل ، بهذا الرائد الجسور سريع الخطى الذى صنع لها فى عشر سنوات ما يحتاج إلى عشرات السنين ووفـّر لها ما تفتقر إليه بعض الإيبارشيات العريقة ووضع أساساً ثابتاً لامتداد خدمتها فى المستقبل .. مما جعل اسمه علامة مضيئة فى تاريخ إيبارشية ملوى التى ستظل تذكره إلى نهاية الأيام .. |